روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

43

عرائس البيان في حقائق القرآن

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 35 إلى 39 ] وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ( 35 ) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 36 ) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 37 ) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 38 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 39 ) وقيل : غلب علمه على علم الملائكة ؛ لقوة مشاهدة الخطاب من غير واسطة في قوله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها « 1 » . وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ : ألبس الملائكة لباس العبودية ، فأعجبوا بعبادتهم ، وألبس آدم لباس الرؤية ، ورقم عليه طراز صفاته ، وعرضه على الملائكة ، فرأوه ملتبسا بلباس الحق ، فخجلوا عن تعجّبهم بعبادتهم ، فأمرهم اللّه بسجود آدم تغييرا لهم ، وتعليما أن عبادتهم لا تزيد بالربوبية ، ولا تنقص عن الألوهية . وأيضا لما خلّقه بخلقه ، وصوّره بصورته ، وألبسه أنواره ، ونفخ فيه من روحه ، وأسكنه جنته ، وأجلسه على سرير مملكته ، فأسجد له ملائكته ؛ حتى أكمل له في العبودية صفات الربوبية ، فلما سجد الملائكة لآدم ، فأبى إبليس عن السجود ؛ لأن الملائكة رأوا فيه سرّ اللّه تعالى ، وعليه لباس اللّه مصبوغا بصبغ اللّه ، ولم ير إبليس ما كشف لهم ، فأبى واستكبر من غضب اللّه عليه ، وكان من الكافرين ، أي : في سابق علمه من المطرودين . وقال ابن عطاء : لما استعظموا تسبيحهم وتقديسهم ، أمرهم بالسجود لغيرهم ، يريهم به استغناؤه عنهم وعن عبادتهم . قال الحسن بن منصور : لمّا قيل لإبليس اسجد لآدم خاطب الحق فقال : ارفع شرف السجود عن سرّي إلا لك في السجود ، حتى أسجد له إن كنت أمرتني فقد نهيتني ، فقال له :

--> ( 1 ) قوله تعالى : أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يعني : الصور التي تجلّى فيها الحق إن كنتم صادقين في قولكم : نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ، كأنه قال لهم : وهل سبّحتموني بهذه الأسماء التي تقتضيها هذه التجلّيات التي أتجلّاها لعبادي ؟ وإن كنتم صادقين في قولكم : ونقدّس ذواتنا عن الجهل بك ، فهل قدّستم ذواتكم لنا من جهلكم بهذه التجلّيات وما لها من الأسماء التي ينبغي أن تسبّحوني بها ؟ فقامت عليهم الحجة في ادّعائهم الإلهيّة ، فقالت بعد العلم : لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا ، واعترفت بالكمال الذي غاب عنها هذا ، وقد قال تعالى لها : إنه خليفة ، فكيف بها لو لم يقل لها ذلك ، فلم يكن ذلك إلا لبطونه على الملائكة .